ابو البركات
295
الكتاب المعتبر في الحكمة
المفرقات من كثيف الأجسام شبيها ببقاء الظل من المظل على مثل ذلك في حركته بل النور من المنير على الشكل والتقدير . ويمثل شكل الانسان في المرآة يسكن بسكونه ويتحرك بحركته وتختلف أحواله باختلاف أحواله وتتفق باتفاقها وليس هو واحدا على الحقيقة ينتقل من مكان إلى مكان بل متصرم متجدد مع الحركة على المشابهة بالاستبدال . كذلك تكون هذه الأرواح الباقي الواحد الثالث منها هي نفس الواحد منها على الحقيقة مع تبدل الروح واستبدالها بواصل عن ذاهب يحفظ المقدار والشكل واحدا بالمشابهة فيكون المرئى المتبدل منها واحدا عند الرائي والأصل المستبدل واحدا في الحقيقة كما نحن ولا عجب فما استحال بهذا الاعتراض الدقيق النظر وجود هذا الصنف المذكور فبقى ثبوته لمن ثبت له بصادق الاخبار من أصحاب النبوة والوحي أو شهادة العيان بالمشاهدة في الأعيان كما يحكى قوم عن أنفسهم أو عمن يثقون به أو بشهادة الآثار والافعال التي تدل كما تدل في أبدان الحيوان والنبات على القوى الفعالة التي لا ترى ولا تنال بحاسة من حواسنا وانما تنال افعالها وآثارها . واما القول بشهادة الرؤيا في المنام فللقول به والمعارضة فيه مجال يتسع ولا يليق به هذا الموضع بل ما يأتي من الكلام في علم النفس والادراكات الذهنية والتصورات الخيالية والوهمية والعقلية ، واما هاهنا فنقول ان الرائي يرى في منامه ما يعرفه ويخبره بما ينذره ويحذره ويبشره من علم ما سيكون قبل كونه ثم تصدق رؤياه يشهد لها الوجود السابق والحاضر واللاحق شهادة تبطل بها الارتياب فلا شك ان ذلك التعريف من عارف والاعلام من عالم والاخبار من خبير ويعلم الانسان ان ذلك المخبر ليس من اشخاص الناس الذين تدركهم الحواس فان النائم يكون عنده جماعة من المستيقظين وهو يرى ما يراه ويسمع ما يسمعه دونهم وعينه التي بها يرى مغمضة واذنه غير سامعة وإلا لرأت وسمعت كل عين واذن عنده فالرائى منه روحه الباطنة وقواه الذهنية دون آلاته الظاهرة